ابن يعقوب المغربي
504
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
مثل معنى ائتني برجل أو جناح من العنقاء على معنى أن العنقاء لم توجد ، فلا يوجد رجلها ، ولا جناحها ، احتمال عقلي لا يرتكب في تراكيب البلغاء بشهادة الذوق والاستعمال ، فلهذا يتعين أن يكون الضمير على هذا التقدير عائدا لعبدنا لا لما نزلنا ، ولا يخفى أن هذا إنما يتم بناء على أن إعجاز القرآن لكونه خارجا من طوق البشر ، وأما إن بنينا على أنه في طوقهم ، وصرفوا عنه ، لم يفتقر لهذا ، واعلم أن ما ذكر من اقتضاء ذلك التقدير وجود المثل إنما هو إن حمل على أن المقصود الإتيان بجزء من أجزاء الشيء ، فإن المتبادر حينئذ وجود ذلك الشيء ، وأما إن حمل على معنى طلب الإتيان بفرد من أفراد مدخول من ، فلا يسلم عدم صحته في تراكيب البلغاء عرفا ، كما يقال : ائتني من هذا النوع بفرد ، فإنك لا تجده على معنى أنه لا فرد له فإنه صحيح ، فافهم - واللّه أعلم - ويحتمل أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لسورة ، فحينئذ يصح أن يعود الضمير لعبدنا ، أو لما نزلنا ، فيكون المعنى على الأول فأتوا بسورة كائنة من مثل عبدنا في الأمية وعدم الكتابة ، فيكون من ابتدائية ، وعلى الثاني فأتوا بسورة من وصفها أنها من مثل ما نزلنا ، أي : من جنسه ، وحقيقته ، فتكون من تبعيضية للبيان وهو صحيح ؛ لأن المعجوز عنه حينئذ هو السورة الموصوفة بصفة هي كونها من مثل المنزل ، أو من مثل عبدنا ، ومعلوم أن الذي يفهم من مثل هذا الكلام عند امتناع الإتيان بالمأمور أن الامتناع لعدم المقدرة على الموصوف مع وجوده بوصفه ، كما يقال : ائتني بثوب ملبوس للأمير ، فملبوس الأمير موجود ، وامتنعت القدرة عليه ، أو لعدم القدرة على الموصوف ؛ لانتفاء وصفه ، فيلزم امتناع الإتيان به بذلك القيد ، كما يقال : ائتني بثوب فيه أربعون ذراعا ، والفرض أن لا ثوب موصوف بهذا الوصف ، وكلا المعنيين يصحان عرفا ؛ لأن الوصف في حيز المأمور به فيفهم أن الامتناع لامتناع الوصف أو لامتناع تناول الموصوف ، لعدم القدرة عليه بخلاف ما تقدم ، فيتعين أن يكون لعدم القدرة عليه مع وجوده ، وكلاهما على هذا التقدير في المثال صحيح بناء على أنه ليس في الطوق ، فيكون الامتناع لعدم إمكان وجود السورة من مثل عبدنا ، ولكن يراد على هذا بمثل عبدنا مثله في مطلق البشرية ، أي : من غير شرط الأمية لعجز الكل ، أو بناء على أنه